محمود شيت خطاب
285
الرسول القائد
وأن ينالوا بهذه الهدنة الاستقرار ليتفرغوا لتجارتهم ، وهذا أهم هدف حيوي بالنسبة لقريش . فماذا كانت النتيجة ؟ وفد أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية من مكة إلى المدينة مسلما بغير رأي مولاه وهو ثقفي حليف لبني زهرة ، فكتب أزهر بن عوف والأخنس بن شريق إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم كي يرده ، وبعثا بكتابهما مع رجل من بني عامر ومعه مولى لهما . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : ( يا أبا بصير ! إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصح لنا في ديننا الغدر ، وإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، فانطلق إلى قومك ) . . . قال أبو بصير : ( يا رسول اللّه ! أتردّني إلى المشركين يفتنونني في ديني ) ؟ فكرّر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عليه قوله الأول . انطلق أبو بصير مع الرجلين ، حتى إذا كان بذي الحليفة « 1 » ، سأل حارسه العامري أن يريه سيفه ، وما أن استوت قبضته في يده حتى علا به العامري ، فقتله ؛ فعاد المولى يعدو ناحية المدينة ، حتى أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما رآه قال : ( قتل صاحبي ) ! ثم ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف موجها الحديث إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : ( يا رسول اللّه ! وفت ذمتك وأدّى اللّه عنك . أسلمتني إلى القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي ) . لم يخف الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إعجابه به وتمنيه لو كان معه رجال ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه عن أبي بصير : ( ويل أمه ! مسعر حرب لو كان معه رجال ) !
--> ( 1 ) - ذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أو سبعة أميال ، وهي ميقات أهل المدينة الذي يحرمون عنده للحج .